يثار تساؤل بين الحين والآخر حول طبيعة المادة الحديثية في صحيح الإمام البخاري، وهل يشتمل كتابه على أحاديث لا وجود لها عند غيره من المحدثين؟ والحقيقة أن القائل بذلك يفتقر إلى التصور الصحيح لمنهج المحدثين وعلم الرواية.
إن الإمام البخاري -رحمه الله- لم يكن مخترعاً لمتون الحديث، بل كان جامعاً ومنتقياً لأصح ما ورد عن النبي ﷺ. لقد قام بتوثيق ونقل الأحاديث وفق شروط نقدية قاسية جداً، ليكون كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل.
كل حديث أورده البخاري في جامعه كان محفوظاً ومتداولاً منذ عصر الصحابة والتابعين. فالمادة العلمية في الصحيح ليست منقطعة الجذور، بل يمكن دائماً تتبع مصدر الحديث ومعرفة رواته وطرق نقله عبر الأجيال.
لقد تميز عمل البخاري بجهد منهجي تمثل في:
جمع الأحاديث الصحيحة من أقوى طرق الرواية وأكثرها اتصالاً.
تبويب الأحاديث وشرح مقاصدها الفقهية والعقدية بشكل دقيق.
تطبيق معايير صارمة في نقد الرجال واتصال السند لا تتوفر في غيره من الكتب.
هذا هو الجوهر الحقيقي لصحيح البخاري؛ إنه ديوان منتقى بعناية فائقة من تراث الأمة المحفوظ، وليس مجرد انفرادات لا أصل لها.