يثير الملحدون مراراً وتكراراً إشكالات تتعلق بوجود الظلم في العالم، لكن السؤال الجوهري الذي يغفلون عنه هو: هل يحق للملحد أصلاً أن يشتكي من الظلم؟
إن الرؤية الإلحادية للكون تقوم على المادية الصرفة، حيث لا غاية، ولا عدل مطلق، ولا مرجعية أخلاقية متعالية. فكيف يمكن لمن يرى أن الوجود مجرد صدف عمياء، أو نتاج قوانين طبيعية صماء لا هدف لها، أن يعترض على مسار هذه القوانين؟
إن الاعتراض على الظلم يقتضي بالضرورة الإيمان بوجود معيار للعدل، وهو ما لا توفره المادية. فإذا كان الألم بلا معنى، والظلم مجرد تفاعل كيميائي أو حتميّة بيولوجية، فإن شكوى الملحد تصبح صرخة في فراغ لا مسوغ عقلي لها ضمن إطاره الفكري.
وفي الختام، فإن هذه الاستغاثة الفطرية بالعدل، وهذا الرفض الداخلي للظلم، هما أول من يرفض العبثية الإلحادية. إنها الفطرة السليمة التي تصرخ في وجه التناقض الإلحادي، لتثبت أن الإنسان مجبول على الإيمان بخالق عادل وغاية أسمى تتجاوز حدود المادة.